محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
155
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
الآيات المجموعة في النصّ الرسمي القانوني ( أي المصحف ) صحيحة كلّيا ، ولا يختلط بها أي كلام غير إلهي . كان الطبري لا يزال قريبا من عهد الاختلاف في ما يخصّ نقل النصوص القرآنية ( أو الصياغات النصّية ) . ولذلك نجد لديه إشارات متكررة إلى « قراءات » مختلفة ، ولكن مع الحرص المستمر على شيئين اثنين : الأول هو أنه يرفض القراءات المختلفة أكثر من اللازم والتي تصعب مصالحتها مع المعايير اللاهوتية « الأرثوذكسية » . أما القراءات الأخرى التي لا تختلف كثيرا فإنه يهضمها ويدمجها داخل البنية العامّة للخطاب القرآني . بتعبير آخر ، إنّ عمل الطبري يفرض نفسه كجهد مبذول من أجل تحقيق الانسجام والتوفيق والعقلنة والتثبيت اللغوي والأدبي لنصّ نقل شفهيا وكتابيا في آن معا طيلة ثلاثة قرون « 1 » . أما بعد الطبري فقد أصبحت الروايات المختلفة « مندمجة » جدا إلى درجة أنها نقلت بشكل مغفل عن طريق استخدام صيغة الفعل المبني للمجهول ، فيقولون : قرئ . وهذا المبدأ الثالث يولّد رابعا . وقد أبقى المبدأ الرابع التفسير التقليدي وهو يتخبط في صعوبات لم يستطع أن يتجاوزها . يقول هذا المبدأ : إنّ العبارات أو الآيات المجموعة في المدوّنة الرسمية تشكّل فضاء لغويا لا يختزل إلى أي فضاء آخر على الرغم من أن هذه المدوّنة تجسّدت في لغة بشرية هي هنا : اللغة العربية . وكل هذه العبارات أو الآيات معيارية ملزمة سواء على مستوى الشكل أم على مستوى مضمون التعبير « * » . وينتج عن ذلك أن علم اللغويات قد أصبح مستعبدا كلّيا من الناحية النظرية لشهادة إيمانية ، ولكنه منفتح عمليا على تعاليم أو دروس الإنجازات الدنيوية لنظام اللغة العربية . ففي ما يخصّ كل المسائل المعنوية نلاحظ أن الطبري يستعين صراحة بهيبة « الاختصاصيين باللغة العربية » أو ما يدعوهم بأهل العلم بالكلام العربي ، أو أهل العربية . ثم يفرّق بينهم وبين الاختصاصيين بالتفسير أو أهل التأويل على حد تعبيره . وطبقا للأدبيات اللغوية والمعجمية التي كانت سائدة طيلة القرون الهجرية الثلاثة
--> ( 1 ) إنّ الاستخدام الطقسي أو الشعائري للنص القرآني ساهم بالتأكيد وبشكل مبكر في تثبيته . ولكن لهذا الاستخدام بالذات تاريخ لا نعرف . بمعنى أننا لا نعرف متى ابتدأ المسلمون يستخدمون النصّ القرآني كنصّ عبادي في الصلوات والطقوس ، ولا كيف تطوّر ذلك على مدار التاريخ . * بمعنى أن النص القرآني معصوم ليس فقط في مضمونه ومعانيه ، وإنما أيضا في لفظه وصياغته اللغوية . وهو لا يشبه أي كلام آخر في العربية ، ولا يشبهه أي نصّ آخر ، شعرا كان أم نثرا . نقول ذلك على الرغم من أنه مكتوب بحروف اللغة العربية ، ومن خلال نحوها وصرفها ، تماما كأي نصّ عربي آخر . وهذا ما يدعى بنظرية الإعجاز ، أي إعجاز القرآن ، وعدم قدرة البشر على الإتيان بمثله أو محاكاته . وهذه النظرية تشكّل مسلّمة لاهوتية أساسية بالنسبة للاعتقاد الإيماني . وقد بناها الباقلاني على ثلاث ركائز : القرآن يعلمنا بأسرار الغيب . جهل النبي الأمي بالقراءة والكتابة . النظم الرائع للقرآن . والركيزة الثالثة ، كما نرى ، هي وحدها ذات علاقة باللغة أو البلاغة اللغوية .